غياث عباس
ما الذي نعنيه بـ«الدولة»؟
سنستخدم تعريف ماكس فيبر للدولة: الجماعة البشرية التي تنجح داخل إقليمٍ محدّد في احتكار العنف المادي المشروع؛ أي إن معيار الدولة ليس اسم الحاكم ولا شكل النظام السياسي، بل أركان مؤسّسية: سيطرة موحَّدة على الإقليم، احتكارٌ شرعي للعنف عبر جهاز أمني/عسكري واحد، قاعدة قانونية عامّة تُطبَّق بقضاء مستقلّ، بيروقراطية مهنية لا-شخصانية، قدرة مالية–نقدية تسمح بجبايةٍ وإنفاقٍ موحَّدين[1] ويفيدنا هنا منظور تشارلز تيلي عن تلازم بناء الدولة مع القدرة على الجباية والضبط القسري، ومنظور غييرمو أودونيل عن «المناطق البنّية» حيث تتآكل سيادة القانون وتتعدّد الأنظمة القانونية الفعلية داخل البلد الواحد[2].
أولا: الإقليم: سيادةٌ متقطّعة و(جزر سلطةٌ)
بعد 2024/2025 بقيت خريطة السيطرة السورية متشظّية:
- في الشمال الغربي، تؤكّد تقارير موثوقة استمرار نفوذ تركيا المباشر/غير المباشر عبر فصائل «الجيش الوطني»، مع سجلّ انتهاكات وإفلات من العقاب. هذا يعني سيادةً منقوصة للدولة السورية على هذه الرقعة[3] إذ تتعامل سلطات دمشق مع الفصائل مختلفة الولاءات بوصفهم حلفاء وإن كانت تزعم أنها اندمجت تحت سلطة وزارة الدفاع، مما يعني أن كل فصيل يحكم جزيرة منفصلة (منطقة بينية) خارج الإطار القانوني المركزي، على فرض وجوده، لن يتسنى له السيطرة على الانتهاكات القانونية والإنسانية، حتى لو شاء ذلك.
- في الشمال الشرقي، توجد مؤسّسات محلية موازية (قسد) مع مشكلات موثّقة في ضمانات المحاكمة وشكاوى تدخل أمني في مسار القضاء، ما يكرّس اختلافًا في القواعد والإجراءات بين الأقاليم.
- في الجنوب السوري وعلى خلفية إخفاق العملية العسكرية التي نفذتها وزارة الدفاع وحلفاءها المحليين على مدينة السويداء، الذي ارتكبت خلالها فظائع ترقى لجرائم حرب، والذي دفع لنشوء مشروع دويلة مستقل بحكم الدفاع الغريزي عن الذات.
- تُظهر لجنة التحقيق الدولية أن أنماط الانتهاكات والعنف الدَّوري لا تزال قائمة في 2025، بما يقوِّض إعادة توحيد سلطة القانون على كامل الإقليم[4].
شرط فيبر الأول (سيطرة موحّدة على الإقليم) غير مكتمل؛ لدينا «جزر سلطة» بقواعد متباينة.
ثانيا: احتكار العنف: إعلان دمج… وواقع ازدواجية
أُعلن في مسار ما بعد السقوط عن دمج الفصائل تحت مظلة وزارة الدفاع وتعيين قادة منهم في مواقع رسمية. لكن المنظّمات الحقوقية حذّرت من استمرار الانتهاكات في مناطق نفوذ فصائل مدعومة خارجيًا، ومن إفلاتٍ من المحاسبة لكبار المتهمين، مع الدعوة لاستبعاد ذوي السجلّات المسيئة من أجهزة الدولة. عمليًا، يعني ذلك أن سلاسل الأوامر والولاءات الموازية لا تزال قائمة، فيبقى «الاحتكار الشرعي للعنف» جزئيًا ومتنازعًا عليه مناطقيًا
لماذا يهم؟ لأنّ «جيش الدولة» ليس شعارًا، بل: قيادة واحدة، عقيدة وتدريب مركزيان، ميزانية موحّدة ورقابة عامة، قضاء عسكري موحّد، وبرامج قابلة للتحقّق. من دون هذه العناصر، تبقى الازدواجية الأمنية واقعًا يقضم جوهر الدولة كما تصفه أدبيات بناء الدولة منذ تيلي[5].
ثالثا: سيادة القانون: من «القانون العام» إلى «المناطق البنّية»
تبيّن مواد الأمم المتحدة وحقوق الإنسان في 2024–2025 استمرار الانتهاكات وغياب المساءلة الفعّالة عبر الأقاليم؛ وفي الشمال الغربي تحديدًا، وثّقت هيومن رايتس ووتش منظومات ضبط ذات صبغة فصائلية/أمنية مع إفلاتٍ من العقاب. هذا يُجزّئ القاعدة القانونية وينقلنا إلى ما يسمّيه أودونيل «المناطق البنّية» —أي رقع تتراجع فيها قواعد القانون العام لصالح أوامر محلية/شخصانية.
المحصلة: من دون قضاء مستقلّ يُوحّد المعايير الإجرائية ويضمن الإحالة والإدانة، يصبح الامتثال للقواعد انتقائيًا وتتآكل شرعية الدولة، حتى لو تغيّر النظام السياسي
رابعا: البيروقراطية: الكفاءة أم الولاء؟
تتفق الأدبيات المقارنة على أنّ «ويبرية» الإدارة (الاستحقاق واللا-شخصانية) شرط لقدرة الدولة التنفيذية. وكلّ استبدالٍ واسعٍ للكفاءات بترتيبات ولاء/محاصصة يخلق «دولة على الورق»: خدمات متدهورة، زبائنية داخل الوزارات، ضعف الامتثال الضريبي، وارتفاع كلفة المعاملة—وكلّها تُنقِص من تحقّق الدولة، حتى لو استقرّ الوضع السياسي مؤقتًا[6].
خامسا: المالي–النقدي: تعدّد العملات وسيادةٌ متآكلة
تقرير البنك الدولي (تموز/يوليو 2025) يقدّر انكماش 2024 بنحو −1.5% مع توقّع نمو طفيف ≈ +1% في 2025 وسط قيود سيولة ومخاطر أمنية. هذا يعني اقتصادًا هشًّا وسلطة مالية محدودة[7]
في الوقت نفسه، ترسّخ تعدّد العملات: الليرة التركية في الشمال الغربي منذ 2020، واتساع التعامل بالدولار في الشمال الشرقي، إلى جانب سوق صرف موازية وتعدّد أسعار في معظم المناطق. النتيجة: سيادة نقدية متآكلة، وتراجع قدرة الدولة على إدارة الكتلة النقدية والأسعار والجباية والرواتب بمعيار وطني واحد[8].
عندما تُسعَّر السلع وتُدفَع الرواتب بعملات مختلفة حسب الجغرافيا، يشعر السكان أنّهم لا يعيشون ضمن اقتصاد وطني واحد—وهذا مسٌّ مباشر بركنٍ تأسيسي في مفهوم الدولة.
سادسا: السكان واللحمة الاجتماعية: لامركزيةٌ تنظّم أم تفكّكٌ يُكرَّس؟
تُظهر الخبرة المقارنة أنّ اللامركزية قد تُهدّئ النزاعات إذا صُمّمت بضمانات وحدةٍ قوية، لكنها تتحوّل إلى منصّة تفكّك إذا اقترنت بأحزابٍ مسلّحة وهوياتٍ مناطقية صلبة تُنتج قواعد محليّة موازية. في سوريا اليوم، تراكبُ سلطات الأمر الواقع مع الانقسام الهويّاتي يُضعف توحيد القاعدة القانونية واحتكار العنف—أي جوهر «تحقّق الدولة». وهنا تستعاد قيمة تحذير أودونيل عن «المناطق البنّية».
سابعا: تفكيك مغالطة (النظام = الدولة)
سواء في خطاب النظام السابق أو في خطابات سلطات الأمر الواقع، يتكرّر الربط بين بقاء السلطة وبقاء الدولة. هذه مغالطة: يمكن أن يتغيّر النظام (من يحكم وكيف) دون أن تنهار الدولة (المؤسّسات). لكن حين تُختزل الدولة في الحاكم/الفصيل، تُعاد هندسة الجيش والقضاء والبيروقراطية على صورة الولاءات، فيصبح سقوط النظام تهديدًا لبقاء الدولة لأنّ الأجهزة لم تُبنَ لتعمل على قواعد عامّة مستقلة عن الأشخاص. أي أزمة فصائلية أو ضغط خارجي «عادي» يغدو كافيًا لابتلاع وظائف الدولة الأساسية.
ثامنا: هل ما زالت «الدولة» ممكنة؟
نعم، ولكن… تشخيص 2025 يُظهر أن ركائز فيبر الخمس منقوصة بدرجات متفاوتة. استعادة «الدولة» لا تعني صفقات سياسية بين فصائل، بل إصلاحًا مؤسّساتيًا صارمًا:
- أمن داخلي موحَّد: قيادة واحدة، عقيدة وتدريب مركزيان، قضاء عسكري موحّد، وبرامج قابلة للقياس. (مرجعية تيلي: العنف/الجباية/القدرة).
- قضاء مستقلّ: إنهاء القضاءات الموازية وتوحيد الإجراءات والضمانات، ومحاسبة الانتهاكات بوصفها شرطًا للحصول على أي دعم خارجي ذي معنى
- بيروقراطية على أساس الاستحقاق: تحييد التعيينات السياسية، مسارات مهنية، قياس أداء للخدمات.
- ترميم السيادة النقدية تدريجيًا: توحيد أنظمة الدفع والجباية، سياسة شفافة لسعر الصرف تقلّص السوق الموازية، وترتيب أولويات الاستيراد الحيوي في اقتصاد هشّ
- لامركزية منضبطة: توسيع المشاركة المحلية ضمن معايير وطنية موحَّدة للخدمة والقضاء والجباية، لمنع تحوّل المؤسّسات المحلية إلى منصّات تعبئة انفصالية.
بعد عامٍ على سقوط النظام، لا تزال سوريا في طور إعادة تشكّلٍ دولتي لم يكتمل. إنّ قياس «تحقّق الدولة» لا يقوم على بيانات نصرٍ سياسي، بل على: إقليمٍ موحَّد الحكم، احتكارٍ شرعي فعّال للعنف، قاعدة قانونية عامة قابلة للتنبؤ، بيروقراطية مهنية، وسيادة نقدية. ما لم تتحقّق هذه الركائز بوضوحٍ وقابلية للقياس، ستبقى أي أزمة ولاءات داخلية أو ضغط خارجي كفيلةً بتهديد ما تبقّى من كيان الدولة—لا مجرد تغييرٍ حكومي عابر.
يبقى أن نؤكد أنّ تحليلنا يتحرك داخل إطار الدولة البرجوازية؛ غير أنّ البرجوازية السورية أثبتت أنها برجوازية “تكويع”: تبدّل ولاءاتها سريعًا، بلا مشروع دولة، بل مشاريع أفراد وكتل مالية انتهازية. قادة النزاع اليوم كانوا—في معظمهم—جزءًا من شبكات الزبائنية مع النظام قبل 2011، ومن انشقّ منهم فعل ذلك على رهانٍ سريع بسقوطٍ وشيك تأخر حتى 2024. النتيجة: فشلٌ في حماية المؤسّسات قديمًا، وفشلٌ آخر في إعادة بنائها بعد الانهيار الكامل الذي تكرّس عقب ما سُمّي بـ«ردع العدوان». ومن دون كسر دائرة الزبائنية والريع، لن تقوم دولة، بل تتوالى أنظمة تتغذى من بقاياها.
[1]– Max Weber, Politics as a Vocation تعريف الدولة واحتكار العنف المشروع Balliol College, University of Oxford
[2] – Charles Tilly, “War Making and State Making as Organized Crime.” antoniocasella.eu
[3] – Syria: Abuses, Impunity in Turkish-Occupied Territories
[4] Syria Events of 2024
https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/syria?utm_source=chatgpt.com
[5] – Charles Tilly, “War Making and State Making as Organized Crime.” antoniocasella.eu
[6] – The Quality of Democracy: Why the Rule of Law Matters
Guillermo O’Donnell https://www.journalofdemocracy.org/articles/the-quality-of-democracy-why-the-rule-of-law-matters/?utm_source=chatgpt.com
[7] – World Bank, Syria Macro-Fiscal Assessment وبيانات 2025 (انكماش 2024 ونمو 2025). Dünya Bankası+1
[8] – Enab Baladi تحليل اعتماد الليرة التركية في الشمال الغربي، 2025
