بعد عام على سقوط النظام، ما زالت سورية رهينة ملفات عالقة ومتناقضات يصعب على سلطة الأمر الواقع (السلطة الانتقالية) حلّها أو حتى تجاوزها. بعض هذه الملفات خارجية والأخرى داخلية، منها ما لم يتغير كثيراً، إذ تمت وراثته من الوضع الإقليمي السابق ما قبل سقوط الأسد، ومنها ما يُعتبر تناقضاً مستجدّاً، وبعضها الآخر كان ضمنياً ما قبل السقوط وبرز بعده. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار التغييرات الإقليمية التي حصلت ما بعد انسحاب إيران من سورية مقابل الاحتلال الصهيوني لمناطق جديدة بعد 8 ديسمبر 2024 والعربدة الصهيونية في الأجواء السورية والهيمنة والنفوذ على الجنوب السوري. في هذه المادة سنحاول تأطير أهم وأبرز المتناقضات الخارجية كاستهلال لفهم الواقع السوري بتناقضاته الداخلية بغية تحليله. ولا بد لنا من التذكير قبل البدء بأن هذه المتناقضات في الواقع متعددة ومعقدة ومتشابكة ومترابطة في كثير من الأحيان وليست منفصلة كما سنقدمها في المادة.
1- تناقض حلف أبراهام مع حلف الإخوان المسلمين:
لعل الصراع بين حلف أبراهام الذي يضم كل من الإمارات والسعودية ومصر بقيادة “إسرائيل”، وحلف الإخوان المسلمين بقيادة تركيا ومن خلفها قطر، من أعقد الملفات الحالية في سورية التي يصعب حلها ولا يمكن تجاوزها، وبرزت بشكل واضح بعد انسحاب إيران من المنطقة. فالحلف الأول لا يقبل بوجود هيمنة تركية على سورية نظراً إلى أن “إسرائيل” ترى في حزب العدالة والتنمية التركي داعماً “للإرهاب” كما تدعي، وتعتبر أن الهيمنة التركية قد تؤدي إلى خلق مجموعات مقاومة في سورية شبيهة بحماس (بحجة أنهم لا يريدون 7 أكتوبر سوري في المستقبل) الأمر الذي سيعزز الهيمنة التركية على الأراضي السورية ويزيد من أهمية دورها كلاعب إقليمي في المنطقة. أما الإمارات ومصر، فهما على خلاف سابق مع حكم الإخوان المسلمين، كما شهدنا في مصر، إذ تتخوفان من رواج هذا الشكل من أشكال الحكم بين عامة الشعوب العربية، وبالتالي انتقال هذا النموذج بالعدوى إلى بلاد أخرى، ومن ثم تكون بداية سقوط أحجار الدومينو، وصولاً إلى الخليج العربي على حساب تمدد النفوذ التركي. أما السعودية فموقفها مختلف، إذ تدعم سلطة الأمر الواقع في سورية (السلطة الانتقالية) لكنها في الوقت ذاته تسير في دعمها بسياسة “خطوة مقابل خطوة”.
في الحلف الآخر، نجد أن تركيا مضطرة لتأمين حدودها الجنوبية (وهذه الحدود تشمل العراق أيضاً) على اعتبار أن هناك تهديداً لأمنها القومي يتمثل بوجود مجموعات كردية نافذة تهددها من خلال المطالبات بالحكم الذاتي. وفي الوقت ذاته تركيا مهتمة أيضاً بعودة اللاجئين الذين بلغ عددهم وفق بيانات وزارة الداخلية التركية 2,699,000.
تحاول سلطة الأمر الواقع في سورية إرضاء الحلفين دون التخلي عن سياسة اللعب على الحبال التي كان يمارسها نظام الأسد سابقاً. وعندما اشتد الصراع بين الطرفين، وخصوصاً بعد عملية الإنزال التي شهدتها دمشق في 28 آب 2025 حيث تم الاستحواذ على أجهزة تنصت قيل أنها صناعة تركية، وتم تواصل بين سلطة الأمر الواقع وروسيا، بضغوط تركية كما قيل، لتلعب الأولى دوراً فاصلاً وتنسيقياً بين الحلفين. هذا على اعتبار أن العلاقات الروسية -التركية والروسية – الإسرائيلية جيدة.
2- تناقض قسد ومن خلفها الولايات المتحدة مع تركيا:
رغم العلاقات الجيدة بين الولايات المتحدة وتركيا التي وصلت إلى حد تغزّل الرئيس الأميركي ترامب بالرئيس التركي أردوغان، يبقى ملف “قسد”، ومطالباتها المتكررة بنظام حكم فدرالي في سورية، من الملفات العالقة التي يصعب حلها أيضاً. فالحكم الذاتي للأكراد في مناطقهم -بعد أن تحقق لهم ذلك في العراق- قد يهدد أمن تركيا بأكرادها الذين قد يشجعهم ذلك للمطالبة بحكم ذاتي أيضاً، وهو ما تحاول تركيا منعه. وعليه كانت التصريحات التركية بهذا الشأن توحي بأن حل هذا الصراع لا يأتي إلا من خلال (كسر عظم) وليس من خلال المفاوضات، بالرغم من التفاوض السياسي بين أوجلان والحكومة التركية لحل الملف الكردي في تركيا سياسياً لا عسكرياً. لكن، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، ما زالت التحليلات تؤكد أنه لم يمنح ضوء أخضر من الولايات المتحدة لشن أي عملية عسكرية من قبل القوات التركية على مناطق سيطرة “قسد”. بل كانت الدعوة دائما لإجراء مفاوضات. في حين أن التصريحات المتذبذبة لسفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص إلى سورية “توماس باراك” تارة توحي بقرب تخلي أميركي عن قسد، وأخرى تدل على العكس، يبقى هذا الملف عصياً على الحل بالنسبة لسلطة الأمر الواقع (السلطة الانتقالية) في سورية. وعلى الرغم من توقيع اتفاق عشرة آذار بين الشرع وعبدي، تبقى بنود هذا الاتفاق فضفاضة وغير محددة وموضع خلاف لا اتفاق إذا ما انتقلنا إلى تفاصيل البنود وخصوصا المتعلقة بشكل الحكم وآلية دمج مؤسسات قسد بمؤسسات “الدولة”.
3- تناقض روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع المقاتلين الأجانب في سورية:
على الرغم من تحسن العلاقات بين كل من دمشق وروسيا والصين مؤخراً، إذ جاءت آخر الأخبار عن طريق مدير الشؤون الصينية في وزارة الخارجية السورية، أشهد صليبي، الذي أعلن عن احتمال مرجّح لإعادة افتتاح السفارة الصينية في دمشق، ما يعني عودة علنية للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالرغم من رفع سوية التنسيق بين دمشق وروسيا في سورية، إلا أن ملف المقاتلين الأجانب، وخصوصاً المقاتلين التركستان، بما فيهم الإيغور، ما يزال عصياً على الحل. فهذا الملف لا يقف على كل من روسيا والصين فحسب، بل على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أيضاً، وبالتحديد فرنسا التي تم اتهامها، من قبل “فرقة الغرباء”، بتحريض سلطة الأمر الواقع في دمشق على التخلص من المقاتلين الأجانب الفرنسيين بعد أن تمت مهاجمتهم في عقر دارهم من قبل قوات السلطة الانتقالية في سورية. وما يزيد التعقيد في هذا الملف أنه تناقض داخلي–خارجي في آن معاً. فلا سلطة الأمر الواقع يبدو أنها قادرة على التعامل مع المقاتلين الأجانب في الداخل، ولا قادرة على إقناع الخارج بالتخلي عن مطلب التخلص منهم مقابل تجنيسهم والحفاظ عليهم.
– خلاصة:
قد لا يتسع المجال هنا لتشريح الواقع السوري بتناقضاته الخارجية والداخلية جميعها، كالمسألة الطائفية ومشكلة الأقليات التي يطول الحديث فيها، وكتناقض مصالح الاتحاد الأوروبي مع كل من روسيا وتركيا في سورية، إلا أنه يمكننا اعتبار هذه التناقضات الخارجية كمفتاح أولي لقراءة الواقع اليوم في سورية ولمعرفة مدى تعقيد الملفات السورية على الصعيد الخارجي والداخلي. ولا بد من التذكير بأن هدف المقال ليس تعقيد المسألة السورية، بل يسعى إلى تبيانها بهدف وضع حلول لها. ولا يسعنا أخيراً إلا أن نتمنى الخير لسورية وأهلها جميعاً.
