قبل سقوط النظام السابق ببضعة أشهر، كثيراً ما دارت حوارات في الأوساط السورية حول كيفية إنهاء حالة الجمود، الذي كان قد أدخل البلاد في حالة يأس كبيرة، وتحديداً بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية. كنا دائما نعّول على الداخل، لأنه أفضل الحلول، وكان الحلم آنذاك كبيرا بأن تثور المحافظات السورية كلها، عندها تلتقي التظاهرة القادمة من السويداء مع تلك القادمة من دمشق، مع الاحتجاج الموجود في طرطوس مع الاعتصام المتواصل في اللاذقية وصولاً الى حمص وحماة وكل المحافظات. كانت أحلامنا كبيرة بهذا الحجم أن يأتي التغيير من الداخل؛ أي من الشعب ومن الناس التي عانت طويلاً، ففي سوريا لا يوجد من لم يعانِ من نظام الأسد سوى الطبقة المقرّبة منه، التي التحمت به وتماهت معه، وهي بالمناسبة الطبقة التي لم تدفع الثمن حتى هذه اللحظة، فمن دفع الثمن هم الفقراء والمساكين كما هو الحال دائما.
مع الأسف فإن الأمل والتفاؤل لم يصمد أكثر من أسبوع واحد. بعد الأسبوع الأول من سقوط النظام السابق، بدأت بوادر التعصب تظهر، بالتزامن مع تشكّل طبقة جديدة من الشبيحة الجدد، غرضها مصادرة أي رأي مختلف. ومع حالة الانفلات الأمني والمجازر التي كانت مفاصل مأساوية في مسار التحول السوري، بدأ الانقسام يزداد ويتسع مع كل حالة اختطاف ومع كل حادثة قتل. ومع حدوث المجازر في كل من الساحل والسويداء ازدادت حدة الانقسام إلى درجة أصبح من الصعب معها العودة خطوة إلى الوراء، وهذا ما ساهم في تسريع ظهور سلطات أمر واقع، بدأت تفرض نفسها كبديل عن الحكم المركزي في دمشق، وبكامل الأسف فإن كثيرين يدعمونها على خلفيات طائفية أو قبلية أو عشائرية، ويرونها الخلاص الوحيد خصوصاً في ظل حالة الانفلات الأمني الحاصل. فعلى سبيل المثال ظهرت أول سلطة أمر واقع على يد الشيخ الهجري في السويداء، على اعتبار أن تلك المحافظة كوّنت إلى حد كبير قيادة قادرة على الحديث باسمها. في شرق سوريا؛ في مناطق الأكراد، يوجد قيادة بذراعين عسكري (قسد) وسياسي (مسد)، إذ أنهم نظّموا أنفسهم قبل سقوط النظام بسنوات وذلك بدعم أمريكي. مؤخرا وفي تظاهرات الساحل ظهر الشيخ “غزال غزال” متحدثاً باسم العلويين مع أنباء أيضا عن رغبة “رامي مخلوف” بالتفاوض من أجل العودة إلى حكم الساحل، أو حتى وجود تفاوض مع ضباط علويين قد يعودون إلى الساحل بعد التفاوض مع دمشق. وهو ما يعني فرض سلطات أمر واقع على السوريين، تمارس في مناطقها استبدادا جديدا يعيدنا إلى عهد استبداد الأسد (الأب والابن). ففي مناطق شرق سوريا تجري عمليات اعتقال لصحافيين وتكميم للأفواه (وهو ما ندر أن يتحدث عنه الإعلام). كذلك رأينا مؤخرا ما حصل في السويداء من حلق لشارب أحد الشخصيات، وهو الفعل الذي كان مستهجنا بشدة في ظل المجازر التي حصلت في السويداء منذ أشهر. أما في الساحل فقد حصلت منذ أيام جريمة طعن لأحد المسنين، صُنّفت على أنها جريمة طائفية لتتضح الأمور ويظهر بعد ذلك أن الأمر لم يتعدّ مشكلة قاتل يعاني من مرض نفسي، وفي الحقيقة لم يكن يرغب أحد أن يتناول تلك الجريمة إلا من الجانب الطائفي، فليس ثمة من يريد الاقتناع بأن الأمر دافعه مرض نفسي، إذ يبدو أن الاستعداد لتقبل الدوافع الغرائزية أكبر كثيراً من الاستعداد لتطوير اتجاهات تنطوي على السلام المجتمعي والواقعية.
اليوم بعد مرور عام على سقوط النظام، وفي ظل إعادة تشكيل سلطات أمر واقع، من الممكن أن نطرح السؤال التالي: “ما الذي تغيّر؟” أو بالأحرى ما هو القادم؟
مع الأسف وكما ذُكر سابقا، فإن المشهد يتجه نحو استغلال حالة الانفلات الأمني القائمة على الخوف الطائفي، من أجل تشكيل جماعات طائفية، تؤمن بالطائفة أكثر من الوطن، ومستعدة لتصديق أي كذبة طائفية وتفضيلها على أي حقيقة وواقع. واستغلالا لخوف الناس من الإرهاب (وتحديدا المجازر)، بدأت فكرة التقسيم والانفصال تظهر كاتجاه محبب لدى كثيرين، على مبدأ العيش بأمان وبلا خوف أفضل كثيراً من العيش مع الإرهاب، فالخوف من الخطف والقتل أصبح سيد الموقف. والمشكلة الجوهرية أنه وفي ظل الفوضى الحاصلة والعنف الكبير، لم يلتفت الناس إلى أن حالة من الاستبداد راحت تتشكل في مختلف المناطق التي لديها طموحات انفصالية. أما المشكلة الأكثر جوهرية فتتمثل في غياب خطاب جامع من قبل دمشق، يجمع الناس حول أوجاعهم ويطرح حلولا بديلة عن لجوئهم إلى الطائفة.
أخيرا، إن استمرّ الوضع على ما هو عليه من دون وجود جهة قادرة على جمع الناس حول مصالحها في بناء وطن مستقر وموحد، فإن القادم سيكون أسوأ، والعنف سيكون أكبر، فالعنف سيتحول إلى استبداد تحميه الطائفة والقبيلة والعشيرة، بدلاً من بناء بلد تحميه دولة. والعنف الذي يتفشّى بما يداعب غرائز الشعوب يتحول إلى شروخ دموية تنفجر بين الحين والآخر بما يضرّ مصالح الجميع بمن فيهم الدولة العاجزة عن الاحتواء.

