تقرير سياسي: عام كامل من حكم سلطة الامر الواقع

تجمع سوريا الديمقراطية المكتب التنفيذي

تقرير سياسي عن عام كامل من حكم سلطة الأمر الواقع الانتقالية

إثر سقوط النظام الدكتاتوري الأسدي

مقدمة

     مضى عام على سقوط السلطة الأسدية الدكتاتورية الفاسدة في سورية، ودخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترَض أن تشكّل -بفعل تضحيات شعبنا وما تقتضيه “الثورة” بحكم تعريفها- نقطة تحوّل باتجاه الانتقال الديمقراطي الرامي إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة نقيض التسلّط والفساد، دولة مؤسسات وشفافية ومساءلة، دولة لجميع مواطنيها.

     غير أنّ الطبيعة الطبقية والسياسية والفكرية لسلطة الأمر الواقع الانتقالية جعلت حصيلة العام الأول من حكمها تتكشف عن احتكار جديد للسلطة وعن تفرّد هيئة تحرير الشام بالمفاصل الاقتصادية والسياسية، مع عجز إداري واضح بعد حلّ معظم أجهزة النظام القديم، بما في ذلك الجيش والشرطة، وتجميد القضاء، والتعاطي التمييزي الطائفي الطابع بين المواطنين؛ ومع عجز واضح تجاه التوغلات الإسرائيلية واحتلالها أراضٍ سورية جديدة وقتل واعتقال مواطنين سوريين في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، كان آخرها ما حدث في بين جن؛ ومع تواطؤ وتورّط للسلطة في مجازر الساحل، تجاه المواطنين العلويين، وفي السويداء، تجاه المواطنين الدروز.

     على الرغم من الانفتاح العربي والدولي الواسع على سلطة الامر الواقع الانتقالية، مما وفّر لها فرصة نادرة لإطلاق مسار إصلاحي شامل، لم يلمس السوريون أي انعكاس فعلي لهذا الانفتاح على حياتهم اليومية أو على البنية السياسية والاقتصادية للدولة. بل إن غالبية الإجراءات التي أعلنتها السلطة الانتقالية بقيت محصورة في إطار خطابات سياسية وتوجهات غير مفعّلة، من دون ترجمة عملية أو نتائج قابلة للقياس باستثناء اعتماد الاقتصاد الحر، وإلغاء الدعم، وخصخصة أصول الدولة، مما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية وإحباط توقعات كانت مرتفعة في بداية المرحلة الجديدة.

     لقد أخفقت السلطة الانتقالية في تحقيق الاستقرار الأمني في العديد من المناطق، فلا يزال الجنوب السوري يشهد اضطرابات خطيرة بعد مجازر السويداء التي تحولت إلى ملف عالق ومستعص على الحلول الجزئية البعيدة عن الحل السياسي الشامل. وتتجدّد التوترات في الساحل بعد مجازر آذار الشهيرة، وكذلك في حمص وفي مناطق أخرى من البلاد، حيث كان آخرها اقتحام ميليشيات بدوية مسلحة لأحياء في مدينة حمص يقطنها مواطنون علويون. يُضاف إلى ذلك استمرار حالة المراوحة في المكان في ما يخصّ اتفاق 10 آذار في شمال وشرق البلاد بين السلطة الانتقالية وقسد من دون تحقيق أي تقدم ملموس.

     لا يمكن تفسير هذه الإخفاقات بثقل الإرث السابق أو تعقيد الواقع السوري وحدهما، إذ تكشف عن قصور بنيوي لدى سلطة الأمر الواقع، يتجلّى عجزاً إدارياً وضعفاً في الأداء، يرجعان إلى البنية الجهادية لهيئة تحرير الشام وإلى القيود التي وضعتها الاتفاقات الدولية في الدوحة وسمحت بصعود الهيئة إلى السلطة كبديل لسلطة النظام المخلوع، كما يرجعان إلى حلّ الأجهزة السابقة وعدم الاستفادة من خبراتها.

     يُضاف إلى ذلك استمرار التدخلات الخارجية في سورية وتوسّعها، وعلى رأسها الوصاية الأميركية على سوريا بالإشراف على ملفّ الجنوب الغربي والشمال الشرقي وعلى منطقة التنف حتى الضمير. وقد تعززت هذه الوصاية الأميركية بصدور القرار 2799، وبالاتفاق الأميركي مع السلطة القائمة على بناء قاعدة عسكرية للقوات الأميركية في دمشق. وقد أتاحت هذه الوصاية مزيداً من حرية الحركة للقوات الإسرائيلية على الأراضي السورية، لا سيما في الجنوب وفي السماء السورية. ولعلّها حدّت من النفوذين التركي والروسي.

     علاوة على ذلك كلّه، تتزايد المخاوف من أنّ تجاهل المسار الانتقالي القائم على القرار الأممي 2254، وغياب الشفافية، ومركزة القرار داخل السلطة الانتقالية الإقصائية من دون مشاركة حقيقية للسوريين، قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج ممارسات استبدادية بصبغة دينية، وهو ما يتناقض مع جوهر التغيير الذي ناضل السوريون من أجله، ويناقض روح القرار الأممي 2254 ويهدد بإعادة تدوير الأزمة بدلاً من معالجتها. ولذلك تتأكّد، في هذه اللحظة المفصلية، الحاجة الملحّة إلى حلّ وطني شامل يقوم على مشاركة سياسية واسعة تشمل جميع السوريين. ويأتي في مقدمة ذلك عقد مؤتمر وطني عام وشامل يحدّد بوضوح أسس الدولة الجديدة، ويضع دستوراً يعكس إرادة السوريين، ويصوغ آليات حكم شفافة وقابلة للمساءلة، ويضع حدوداً صارمة لأي تدخل خارجي في القرار الوطني، ويضمن حماية وحدة البلاد ووحدة جيشها، والتصدي للمشاريع التقسيمية، وبلورة نموذج متقدّم للحكم والإدارة يمنع عودة الاستبداد بأيّ شكل من الأشكال، ويضمن سلطة حقيقية للشعب السوري في المركز والأقاليم على حد سواء. لقد كان الانتقال الديمقراطي ولا يزال مفتاح مستقبل حقيقي لسوريا، بما في ذلك سلمها الأهلي.

1قرار مجلس الأمن الدولي 2799

     شكّل قرار مجلس الأمن رقم 2799، وإعادة تأكيده على القرار الأممي 2254، منعطفاً جديداً في الأزمة السورية المتفاقمة. فهو يعني، من جهة، أنّ مستوى التدخّل الخارجي، لا سيما الأميركي والإسرائيلي، وخطره في سورية قد ارتفع أكثر من السابق، كما يعني، من جهة أخرى، أنّ الأزمة السورية لا تزال تتعمق، وأنّ حلّها كان ولا يزال سياسياً، بمشاركة حقيقية للسوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، الأمر الذي يضمنه جوهر القرار 2254، من خلال مؤتمر وطني عام وشامل تنبثق عنه هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة تشرف على وضع دستور دائم للبلاد وتنظّم انتخابات حرة نزيهة تحت رقابة أممية.

     لقد جاءت المظاهرات في الساحل وحمص وبعض أرياف حماه وحمص وشارك فيها مواطنون سوريون علويون نتيجةً لمظالم متراكمة طالتهم على أساس هويتهم الطائفية بعد تسلّم هيئة تحرير الشام للسلطة إثر اتفاق دولي وإقليمي في مؤتمر الدوحة. وتركّزت هذه المظالم في وجود آلاف المعتقلين من عناصر الجيش السوري السابق وعناصره الذين سلّموا أنفسهم وأسلحتهم طواعية، من دون أن تجري محاكمتهم، وفي مسلسل القتل اليومي الذي بات يُعرف باسم العدالة الانتقامية، ولاحقاً عبر مجازر في الساحل وفي ريف حمص الغربي موثقة ومعروفة للجان التحقيق الأممية والحكومية، وفي الإذلال اليومي والشتائم وهدر الكرامة والتحريض ضد المواطنين العلويين بخطاب كراهية تكفيري تتجاهله السلطة في معظم الأحيان، ويمارسه جمهور متشدد دينياً وطائفياً، وفي ما طال أقساماً واسعة من هؤلاء المواطنين بتفكيك مؤسسات الدولة العسكرية والشرطية والمدنية. وهذا التعامل من سلطة الأمر الواقع مع المواطنين العلويين على أنّهم كتلة واحدة من الفلول أشعرهم بالمصير الواحد والخطر الوجودي الداهم، فجاءت دعوة الشيخ غزال غزال، رئيس أحد التشكيلات العلوية المستجدة، إلى التظاهر محاولةً لتأطير آلام المواطنين السوريين العلويين ومخاوفهم ومطالبهم المحقّة في إطار هوياتي، لكنّ شعارات التظاهرات في الساحل والداخل تنوّعت مع غلبة واضحة للشعارات البعيدة في جوهرها عن الطائفية. وكانت قد سبقت ذلك كلّه احتجاجات عفوية ناجحة بعيدة عن أي تأطير سياسي طائفي، كالتي تلت مقتل شابين في جبلة واختطاف الطفل محمد قيس حيدر في اللاذقية.

     إنّ شعاري “اللامركزية السياسية” و”الفيدرالية” اللذين طرحهما بعض المتظاهرين ليسا واضحي المعالم حتى لدى النخب السورية نفسها، دع عنك فضاءً عاماً مبعداً عن السياسة والعمل السياسي على مدى عقود من القمع والاستبداد والإقصاء والتخويف. ولذلك قد يكون هذان الشعاران مُدْخَلين من طامحين علويين موجودين في الخارج، لم يعيشوا معاناة المواطنين العلويين خلال عام كامل، مع ملاحظة أنّ استفزازات السلطة كانت قد دفعت بعض شيوخ العلويين إلى طلب حماية دولية في وقت أبكر. ولقد أُجبرت السلطة على مراقبة التظاهرات من دون قمعها بالنار بتأثير مباشر من القرار 2799 وما يتضمنه من مراقبة دولية ومن التزام سلطة الأمر الواقع بحماية الأقليات الدينية والقومية. ولهذا لجأت إلى دفع جمهور مضاد معبأ بالكراهية وخطاب التكفير، جمهور أشبه بميليشيات “تحت مسلحة” أو مخفضة التسليح، لمواجهة المتظاهرين السلميين.

2الإعلان الدستوري

     وُلِدَ “الإعلان الدستوري” الصادر عن السلطة الانتقالية محدوداً وقاصراً وأثبت ذلك طوال الوقت؛ إذ تحول من أداة تنظيمية مؤقتة للمرحلة الانتقالية إلى غطاء لتكريس احتكار السلطة وإعطاء صلاحيات مطلقة لموقع الرئاسة، والتفرد بقرارات مصيرية تمس حياة الناس كتحرير الاقتصاد والخصخصة ورفع الدعم عن المواد الأساسية، واتخاذ قرارات سيادية في شؤون الأمن الوطني والأراضي المحتلة، وإجراء انتخابات برلمانية شكلية تحت مظلته أقرب إلى التعيين لم تكتمل بعد.

     إذا أضفنا إلى ذلك “الشرعية الفصائلية المسلحة” التي مُنحت للرئيس، وتفكيك أجهزة السلطة البائدة من دون بناء بديل دستوري ومهني حقيقي، لا سيما على مستوى الجيش والقضاء، حيث لا يزال الجيش الجديد يعاني من روح الفصائلية ويعتمد في كثير من تحركاته على ميليشيات عشائرية عبر “فزعات” أفزعت السوريين في حمص والسويداء والساحل، حيث ارتكبت هذه الفصائل وهذه الميليشيات الرديفة أبشع المجازر. 

     لا يمكن جبر هذا النقص الفادح في الحياة السياسية والاجتماعية السورية إلا عبر مؤتمر حوار وطني تنبثق عنه هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية تشرف على عملية انتقال سياسي بمشاركة جميع السوريين وتقترح مسودة دستور دائم يجري نقاشه شعبياً والتصويت عليه، لينظّم انتخابات برلمانية ورئاسية تحت رقابة دولية محايدة، ويقرّ الحقوق المتساوية لجميع المواطنين السوريين بغض النظر عن القومية والدين والعرق، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية المستقلة، وحق التجمع والتظاهر السلميين، وحرية التعبير والرأي، واحترام الحريات الشخصية، وحق المرأة في الحرية والمساواة الكاملة مع الرجل؛ دستور يشجّع التنمية، ويحفظ حقوق الطبقات الشعبية المحدودة الدخل، ويعزز الأمان المجتمعي والكفاية الاقتصادية وصيانة كرامة المواطنين المتساويين أمام القانون. كما يكون من مهماته إقرار شكل الاجتماع الذي يصوّت عليه السوريون إن كان مركزياً أم غير مركزي.

3الوضع الاقتصادي والمعاشي

على الرغم من الحديث المتكرر عن رفع العقوبات، تقول الوقائع إن العقوبات لم تُرفع بعد، ولا تزال أداةً سياسية للتحكم والسيطرة الأميركية، يعاني بسببها السواد الأعظم من السوريين. كذلك لا يزال الحديث عن الاستثمارات التي ستتدفق على سورية بعشرات مليارات الدولارات، وعن الاتفاقيات الاقتصادية، وأبرزها مذكرة تفاهم ب 7 مليارات دولار وُقِّعَت بحضور المبعوث الأميركي توماس بارّاك بين حكومة الشرع وتحالف دولي يضم شركات أميركية وقطرية وتركية لتطوير قطاع الطاقة (كهرباء وغاز)، مجرد حديث إعلامي بحت، ولم يتحول إلى واقع ملموس، ومن غير المرجح أن يتحول إلى واقع ما دامت الأوضاع السياسية والأمنية والقانونية على حالها؛ أي ما دامت البلاد تعيش حالة من التوتر المستمر وعدم الاستقرار ومن غياب الحلول السياسية الشاملة.

     علاوةً على هذين العاملين، فإنَّ السياسات التي تتبعها السلطة المؤقتة في الملف الاقتصادي هي في جوهرها استكمال لسياسات السلطة السابقة في الخصخصة وإعادة الهيكلة الكلية للاقتصاد السوري وفق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأجندات الليبرالية الجديدة؛ إذ رُفع الدعم بشكل كامل تقريباً عن الخبز والمواصلات، ومؤخراً عن الكهرباء، إضافة إلى عمليات الرفع الأخيرة الهائلة في أسعار الاتصالات.

     تتواصل أيضاً السياسات الخاطئة في ما يقارب الانعدام لأيّ حماية فعلية للإنتاج الوطني، الأمر الذي تسبب بإغلاق المزيد من المعامل والورش على امتداد المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع، مما عمّق البطالة والفقر اللذين تعاني منهما البلاد أصلاً منذ سنوات.

     يضاف إلى هذه المسائل كلها، غياب الشفافية والرقابة في العمل الاقتصادي، والاستئثار بالعمليات الاقتصادية والصفقات، وذلك بعيداً عن القنوات الرسمية لجهاز الدولة ومؤسساتها، مما قد يؤشر إلى بداية إعادة إنتاج الفساد الكبير مجدداً.

     كرّست هذه الإجراءات بمجموعها حالة الفقر -بل الجوع- التي يعانيها القسم الأعظم من السوريين، حيث يرزح أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، وفتحت الباب للشركات الخاصة، الخليجية والتركية والأميركية وغيرها، كي تضع يدها على أصول سيادية في البلاد تحت مسمى الاستثمار، بما يهدد الأمن الوطني لعقود قادمة. أمّا زيادة الأجور المتواضعة التي قررتها الحكومة مؤخراً فلم تغير المشهد الأساسي للفقر في سوريا، حيث يضع الاستمرار في إفقار السوريين، بهذه المعدلات المتسارعة، أمن البلاد بأسرها موضع الخطر، ويهدد بانفجارات اجتماعية جديدة لا تحمد عقباها، ويفتح الباب أوسع للتدخلات الخارجية المختلفة الموجودة أصلاً.

4العدالة الانتقالية

تبرز قضايا العدالة الانتقالية والسلم الأهلي والاستقرار المجتمعي باعتبارها ركائز أساسية للمرحلة الانتقالية في سوريا. وتعتبر العدالة الانتقالية أحد أكثر مرتكزات المرحلة السورية حساسية وعمقاً، نتيجةً للجراح الاجتماعية والانقسامات السياسية والطائفية والأعباء الإنسانية التي خلّفتها سنوات الصراع، وطالت مختلف شرائح المجتمع. ولقد تحولت مقاربة هذا الملف، في ظلّ التحولات الجارية، من خيار إلى ضرورة وطنية ملحّة، هي الأساس المتين لأيّ مصالحة شاملة وعملية إعادة بناء حقيقية للدولة على أسس جديدة. ويجب أن تشمل هذه العملية جميع مرتكبي الانتهاكات من مختلف الأطراف، سواء ارتكبوا جرائمهم قبل سقوط سلطة الإجرام أو بعده.

     إنَّ مجيء هيئة تحرير الشام إلى السلطة بتسوية دولية وإقليمية في مؤتمر الدوحة، وتهريب رأس النظام المخلوع وكبار قادته الأمنيين والعسكريين إلى روسيا، يعنيان أنَّ اتفاقاً دولياً وإقليمياً قد جرى بعدم محاسبة هؤلاء بناء على مقتضيات العدالة الانتقالية، ما يعني تالياً أنَّ التسوية التي جاءت بالهيئة إلى الحكم تشكّل عقبة حقيقية أمام أي عدالة انتقالية حقيقية في سوريا، شأنها شأن الجذور الجهادية التكفيرية للهيئة التي تشكّل العقبة الثانية أمام تطبيق عدالة انتقالية فعالة تقود إلى المصالحة الاجتماعية والسلم الأهلي والاستقرار. وتأتي العقبة الكأداء الثالثة أمام تطبيق العدالة الانتقالية من تفرّد هيئة تحرير الشام بالسلطة واحتكار المفاصل الإدارية والاقتصادية وإقصائها للجميع، متجاهلةً بذلك مقتضيات القرار الأممي 2254 الذي يشير صراحة إلى مؤتمر وطني سوري يشارك فيه جميع السوريين وتنبثق عنه هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، تشرف على عملية الانتقال الديمقراطي في المرحلة الانتقالية.

     يعتقد بعضهم أنّه يتوجب أن تسبق العدالة الانتقالية عقد المؤتمر الوطني، وهذا غير صحيح. ذلك أنّ الانتقال السياسي الديمقراطي عبر مشاركة جميع السوريين هو الأرضية الحقيقية التي يجب أن تقوم عليها العدالة الانتقالية. ومن دون ذلك لن نرى إلّا ما عمدت سلطة الأمر الواقع إلى السماح به من “عدالة” انتقامية فردية، إذا ما أضيفت إلى المجازر التي حصلت في الساحل وحمص والسويداء بتواطؤ من السلطة، كانت وصفةً لزعزعة الاستقرار المجتمعي وضرب الثقة بين أبناء الوطن الواحد في الصميم ورفع الاستقطاب الطائفي إلى حدود بالغة الخطورة على وحدة الوطن وتماسك المجتمع، في استقطاب طائفي كفيل بتحويل المجتمع السوري إلى ركام من المكونات الطائفية التي ترى أن مصيرها واحد بحكم ممارسات السلطة والميليشيات العشائرية والفصائل المسلحة التكفيرية. وبالطبع، فإنَّ تحويل المجتمع السوري إلى مكونات طائفية كفيل بأن يدفع برجال الدين إلى مقدمة المشهد السياسي، ويصب الماء في طاحونة السلطة القائمة التي تشدد على مرجعيتها الإسلامية المتشددة والتكفيرية، وطاحونة الكيان الصهيوني الذي يشدد على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل.  

     ليست العدالة الانتقالية مجرّد إجراء عقابي، بل مسار متكامل يهدف إلى كشف الحقائق، وجبر ضرر الضحايا، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع وبين أبناء المجتمع الواحد، وضمان عدم تكرار الانتهاكات وعدم عودة الاستبداد والاحتكار والإقصاء. وتحقيقاً لهذه الغاية، يتطلب هذا المسار إنشاء آليات وطنية مستقلة تُعنى بالتوثيق والمساءلة والتعويض، مدعومة ببيئة قانونية نزيهة وشفافة تحفظ كرامة الضحايا وتضمن حقوقهم.

     بالتوازي مع ذلك، يمثّل السلم الأهلي ركيزة أساسية لا يقوم أيّ مشروع وطني بدونها. فترميم النسيج الاجتماعي وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطنين السوريين عملية حيوية لضمان الاستقرار الدائم وتعزيز الوحدة الوطنية. وهذا يتطلب العمل على تجفيف منابع خطاب الكراهية والتكفير، وإصلاح المنظومتين التربوية والإعلامية، وتمكين المجتمعات المحلية من لعب دور فاعل في لمّ الشمل، بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والعرقية والمناطقية التي زادها النزاعُ احتداما واستقطاباً.

5في المسألة الوطنية

     ورثت السلطة القائمة من النظام البائد خريطة سيطرة لم تتغير بعد مجيئها إلى الحكم، حيث تسيطر سلطة الأمر الواقع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، والميليشيات الدرزية (الحرس الوطني) على منطقة السويداء، وجيش سوريا الحرة على التنف حتى الضمير قرب دمشق، والجيش الوطني السوري على الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا. ولا تزال إدلب تباين، برواتبها المرتفعة على الأقل، بقية المناطق السورية. وجاءت ممارسات سلطة الأمر الواقع، بتفردها بالسلطة وما ارتكبته من انتهاكات ومجازر، لتكرس هذا الانقسام في جغرافية السيطرة في سوريا. وكلّ ذلك بإشراف أميركي شامل على جميع مناطق النزاع من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي وحتى العاصمة دمشق التي قرر الأميركيون إقامة قاعدة عسكرية دائمة فيها -في مطار المزة العسكري، إضافة إلى رغبتهم في السيطرة على المطارات في البادية السورية ودير الزور- كقاعدة لدعم أمان إسرائيل ومهاجمة إيران وحلفائها لاحقاً. إنّ الوزن الأميركي الذي بدا ظاهراً في القرار 2799 وسواه من الأمور يعني وضع سوريا تحت الحماية الأميركية التي سوف تشرف على التنازع بين السوريين، وتدير الصراعات المناطقية أكثر مما تسعى لحلّها، وتبقي سوريا في وضع مرهق و”دولة حافة”، ومجتمع مفكك هشّ على حافة الحرب.

     كلّ ذلك والقوات الإسرائيلية تسرح وتمرح في الجنوب السوري وعبر السماء السورية من دون أدنى رادع، لا من المجتمع الدولي ولا من سلطة الأمر الواقع ولا من قسد، محتجةً تارة بأمن مواطنيها عبر ردع استباقي للمقاومين، وتارة بحجة مزعومة هي حماية الأقلية الدرزية.

     لقد قادت الحرب السورية عبر خمسة عشر عاماً إلى دخول قوى دولية وإقليمية عديدة على خط النزاع المسلح، وقاد ذلك إلى احتلالات أجنبية عديدة تركية (إضافة إلى إقليم اسكندرون وكيليكية) وأميركية وروسية وإسرائيلية متجددة. ونشير في هذا السياق إلى بوادر ظهور مقاومة شعبية للتوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، كان آخر حلقاتها المقاومة الشعبية البطولية في بيت جن التابعة لريف دمشق.

     تتطلب معالجة النزاعات السورية في الشمال الشرقي والجنوب الغربي مقاربة وطنية مسؤولة، تقوم على أنّ مستقبل هذه المناطق لا يمكن أن يُرسم إلا في إطار الإرادة السورية الجامعة والانتقال الديمقراطي. وقد شكل توقيع اتفاق العاشر من آذار بين قسد والسلطة الانتقالية خطوة نحو معالجة الملفات العالقة في المنطقة، بما يتيح الانتقال من إدارة الخلاف إلى بناء شراكة وطنية، تصون وحدة سوريا وسيادتها. غير أن العقبات أمام تطبيق ذلك الاتفاق كبيرة، سواء الخارجية منها (الوصاية الاميركية) أم الداخلية (تفرّد سلطة الامر الواقع وطابعها الإقصائيّ وطموحات قسد القومية). وعلى الرغم من أهمية اتفاق 10 آذار، فإن ثمة توترات تواصل انفجارها من حين إلى آخر، ويجري حتى الآن تطويقها، بالتوازي مع التعثر الواضح في تنفيذ عدد من بنود الاتفاق. وكلّ ما يفعله الاميركيون هو إدارة هذه المناوشات وضبط إيقاعها عند حدود معينة لا تتجاوزها.

     أمّا مسألة السويداء وجنوب غرب سوريا فتحمل تعقيداً أشد بفعل العامل الإسرائيلي المهيمن، ومناطقه الأمنية منزوعة السلاح التي تصل حتى أطراف دمشق الجنوبية. لكنّ مفتاح الحلّ في هذه الملفات هو الحلّ السياسي الشامل الذي يفتح الباب لمشاركة جميع السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم عبر التوافق والحوار ضمن مؤتمر وطني عام وهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، وعبر الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي في سوريا، وأن حلّ المسألة القومية الكردية لا يكون بالمواطنة المتساوية وحدها بل بالاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للأكراد السوريين ضمن وحدة الوطن السوري، وأن حلّ مشكلة الاستقطاب الطائفي لا يكون إلا بالمواطنة المتساوية وتكوين جيش وطني مهني محترف بعقيدة وطنية جامعة يساهم فيه جميع السوريين مع إخراج جميع الفصائل الأجنبية من سوريا.

     إن الاعتراف الدستوري يجب أن يكون نقطة البداية، بالنصّ صراحةً على المواطنة المتساوية، وعلى مساواة المرأة بالرجل في جميع مناحي الحياة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، وعلى التعددية القومية والثقافية للسكان، فإلى جانب الاعتراف الطبيعي بالقومية العربية باعتبارها القومية الأكبر في سورية، هنالك ضرورة وطنية قصوى للاعتراف بالهوية القومية والثقافية للأكراد السوريين. كما تجب كفالة الحقوق الثقافية والتعليمية للإثنيات المتعددة، بضمان استخدام اللغة الأم (الكردية، السريانية الآشورية، التركمانية، الأرمنية) في التعليم والإعلام والحياة العامة، إلى جانب اللغة العربية، في المناطق التي تشكل هذه المكونات كثافة سكانية فيها.

عاشت سوريا حرة مستقلة

تجمع سوريا الديمقراطية

08 كانون الأول / ديسمبر 2025.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top