تجمّع القوى الوطنية الديمقراطية في اللاذقية بيان حول التجمّعات الطائفية والدعوات الانفصالية

 

 

 

بعد كلّ مجزرة طائفية أو تهجير أو اختطاف أو اعتقال مما تشير حتى تحقيقات السلطة القائمة إلى أنّ قوّاتٍ تابعةً لها ضالعةٌ فيها، صار من المعهود في سوريا أن تتعالى دعوات إلى الانفصال أو الفيدرالية أو الكونفدرالية على أساس “المكوّنات”، أي الطوائف والأعراق والأقوام، وعلى أساس المناطق الجغرافية في أحسن الأحوال.

حدث ذلك بعد مجازر الساحل في آذار المنصرم، وحدث بقوة أكبر بعد مجازر السويداء في  تموز الفائت، وتعزز ويتعزز بعد ما حصل ويحصل من قتل واختطاف للنساء واعتقالات وتهجير خارج أيّ قانون، في حمص وحماه وصحنايا وأشرفية صحنايا والسومرية وسواها من المناطق السورية.

يأتي ذلك أيضاً في ظلّ تدخّلات دولية وإقليمية سافرة كبرى في الشأن السوري، ومحاولات بعض الفاعلين المحليين ملاقاة هذه التدخّلات؛ كما يأتي في ظلّ فشل واضح لسلطة الأمر الواقع، لا في تقديم رؤية لمغادرة الماضي الأسدي الاستبدادي الفاسد فحسب، بل في حلّ أيّ مشكلة من مشاكل العيش اليومي للسوريين.

صحيحٌ أنّ دعوات الفيدرالية والكونفدرالية أو حتى الانفصال تعود في بعض بداياتها إلى ما قبل سقوط النظام البائد، وأنّها راحت تتعمّق بعد سقوطه وفرار رموزه وفاسديه، لكنّها باتت اليوم، مع ممارسات السلطة القائمة، أعمق وأشدّ تنوعاً، وتحاول تجاوز الطابع الانفعالي باتجاه تصورات سياسية، وإن كانت هذه التصورات محكومة بسقف طائفي أو مناطقي.

إننا في تجمّع القوى الوطنية الديمقراطية نحمّل سلطة الأمر الواقع المسؤولية الأولى والأساسية عمّا آلت إليه البلاد، لا بسبب ما يُرتكب من قمع وانتهاك ومجازر فحسب، بل أيضاً وأولاً بسبب إعادتها إنتاج النظام الأسدي، وإصرارها المماثل لإصراره على التنكّر لكلّ ما صبا إليه الشعب السوري وقواه الحيّة من خارطة للانتقال من الاستبداد والفساد إلى دولة القانون والمواطنة المتساوية.

غير أنّ ذلك كلّه، إذ يفسّر الاندفاع الغريزي لمن يتعرّضون للذبح والحرق والسلب والنهب نحو كلّ من يتوقعون لديه حمايةً أو ملجأً، ولو كان العدو التاريخي، ويفسّر استغلال بعض النخب ما يحصل من دّفع بهذا الاتجاه، اتجاه الانفصال أو الكونفدرالية تحت حماية هذه الجهة الدولية أو الإقليمية أو تلك، فإنّه لا يبرره على الإطلاق، لا نظرياً ولا أخلاقياً ولا استراتيجياً ولا حتى براغماتياً. بل إنّ الأمر يتعدّى ذلك إلى أنّ القوى الدولية والإقليمية التي يجري اللجوء إليها، ومعها من يرتكبون ما يُرتكَب، ومعهم بعض النخب الداعية إلى الانفصال على أساس المكوّنات يكادون يتخادمون، موضوعياً على الأقلّ.

إنّ القوى الوطنية الديمقراطية في الوقت الذي تذكّر بأنّ الطائفة ليست بالأساس الصالح لإقامة دولة أو وطن “طبيعي” غير عنصري وقابل للحياة، وليست تلك الوحدة أو الجماعة التي لا تقبل مزيداً من الانقسام الشرس هي ذاتها، تذكّر أيضاً أنّ دعوات الانفصال والكونفدرالية والفدرالية في السياق الراهن لا تعدو كونها أوهاماً مجرد أوهام، عاجزة تماماً سوى عن مزيد من الخراب على كلّ صعيد، في فوضى دموية شاملة واستتباع عبودي لهذا السيد الإقليمي والدولي أو ذاك.

كما أنّنا ننبّه، لا سيما في الساحل، إلى كثير من فلول النظام الذين يطلّون برؤوسهم بعد كلّ حادث فادح، في هذا الجسم التنظيمي أو ذاك، مدّعين الاندفاع لإنقاذ أبناء جلدتهم، وهم الذين لم يبالوا على مدى عقود وطوال 14 عاماً من الدم والقتل، ولا يبالون اليوم، بأكثر من استعادة السلطة وموارد الفساد والنهب. وذلك في الوقت الذي نميّز بين هؤلاء وبين كثير من العناصر المنضوية  في مثل هذه الأجسام أو المحبّذة لها ممن نفترض أنّهم يجب أن يكونوا جزءاً من المشروع الوطني الديمقراطي الجامع البعيد عن الطائفية.

ما هو بالغ الغرابة وفادح الخطأ أن يضع بعضهم هذه التجمعات الطائفية إزاء الحركة الوطنية الديمقراطية وكبديل لها ولخطّها، في إغفال لأهمية هذا الخطّ الوطني الديمقراطي وتاريخه النضالي العريق والمجرّب لحساب طروحات غرّة أو فلولية أو طائفية، في نوع من الانتحار الحضاري يُجهز على آخر رمق حيّ يمكن أن يُعقَد الأمل عليه في الخروج من الكارثة الوطنية.

إنّ هذا الخطّ وهذه القوى الوطنية الديمقراطية -على الرغم من ضعفها وقلّة حيلتها بسبب القمع الوحشي- تمتلك كلّاً من الخطة الاستراتيجية الأسلم للبلد والخطة الانتقالية الأكثر أمناً والتي تنطوي على حلّ حقيقي انتقالي وتدرّجي، ألا وهو مبادئ القرار الأممي 2254 المستخلص من أفضل الرؤى الانتقالية السورية الوطنية الديمقراطية والذي لا يزال المجتمع الدولي يعيد التوكيد عليه مرّة بعد مرّة حتى بعد سقوط النظام الأسدي. وهو ما ندعو شعبنا السوري برمّته وقواه الحيّة إلى الاحتشاد خلفه والنضال لتنفيذه، بديلاً حقيقياً لا للأنظمة الاستبدادية فحسب، بل للبدائل الطائفية وحلولها الوهمية الزائفة.

إنّ الرهان كلّه هو على شعبنا وقواه الحيّة في بقائنا وطناً سيّداً موحّداً، وفي بقاء قضايانا القومية والإنسانية مطروحة، بالدفع نحو دولة القانون والمواطنة المتساوية والديمقراطية، فهذا الدّفع وحده هو المعوَّل عليه في تجاوز الكارثة الوطنية الرهيبة التي نحن فيها وكبح تناسلها إلى مزيد من الكوارث.

 

تجمع القوى الوطنية الديمقراطية في اللاذقية

الخميس 4/أيلول/ 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top