بيان حول التجمّعات الطائفية والدعوات الانفصالية

تجمّع القوى الوطنية الديمقراطية في اللاذقية

بيان حول التجمّعات الطائفية والدعوات الانفصالية

بعد كلّ مجزرة طائفية أو تهجير أو اختطاف أو اعتقال مما تشير حتى تحقيقات السلطة القائمة إلى أنّ قوّاتٍ تابعةً لها ضالعةٌ فيها، صار من المعهود في سوريا أن تتعالى دعوات إلى الانفصال أو الفيدرالية أو الكونفدرالية على أساس “المكوّنات”، أي الطوائف والأعراق والأقوام، وعلى أساس المناطق الجغرافية في أحسن الأحوال.

حدث ذلك بعد مجازر الساحل في آذار المنصرم، وحدث بقوة أكبر بعد مجازر السويداء في تموز الفائت، وتعزز ويتعزز بعد ما حصل ويحصل من قتل واختطاف للنساء واعتقالات وتهجير خارج أيّ قانون، في حمص وحماه وصحنايا وأشرفية صحنايا والسومرية وسواها من المناطق السورية.

يأتي ذلك أيضاً في ظلّ تدخّلات دولية وإقليمية سافرة كبرى في الشأن السوري، ومحاولات بعض الفاعلين المحليين ملاقاة هذه التدخّلات؛ كما يأتي في ظلّ فشل واضح لسلطة الأمر الواقع، لا في تقديم رؤية لمغادرة الماضي الأسدي الاستبدادي الفاسد فحسب، بل في حلّ أيّ مشكلة من مشاكل العيش اليومي للسوريين.

صحيحٌ أنّ دعوات الفيدرالية والكونفدرالية أو حتى الانفصال تعود في بعض بداياتها إلى ما قبل سقوط النظام البائد، وأنّها راحت تتعمّق بعد سقوطه وفرار رموزه وفاسديه، لكنّها باتت اليوم، مع ممارسات السلطة القائمة، أعمق وأشدّ تنوعاً، وتحاول تجاوز الطابع الانفعالي باتجاه تصورات سياسية، وإن كانت هذه التصورات محكومة بسقف طائفي أو مناطقي.

إننا في تجمّع القوى الوطنية الديمقراطية نحمّل سلطة الأمر الواقع المسؤولية الأولى والأساسية عمّا آلت إليه البلاد، لا بسبب ما يُرتكب من قمع وانتهاك ومجازر فحسب، بل أيضاً وأولاً بسبب إعادتها إنتاج النظام الأسدي، وإصرارها المماثل لإصراره على التنكّر لكلّ ما صبا إليه الشعب السوري وقواه الحيّة من خارطة للانتقال من الاستبداد والفساد إلى دولة القانون والمواطنة المتساوية.

غير أنّ ذلك كلّه، إذ يفسّر الاندفاع الغريزي لمن يتعرّضون للذبح والحرق والسلب والنهب نحو كلّ من يتوقعون لديه حمايةً أو ملجأً، ولو كان العدو التاريخي، ويفسّر استغلال بعض النخب ما يحصل من دّفع بهذا الاتجاه، اتجاه الانفصال أو الكونفدرالية تحت حماية هذه الجهة الدولية أو الإقليمية أو تلك، فإنّه لا يبرره على الإطلاق، لا نظرياً ولا أخلاقياً ولا استراتيجياً ولا حتى براغماتياً. بل إنّ الأمر يتعدّى ذلك إلى أنّ القوى الدولية والإقليمية التي يجري اللجوء إليها، ومعها من يرتكبون ما يُرتكَب، ومعهم بعض النخب الداعية إلى الانفصال على أساس المكوّنات يكادون يتخادمون، موضوعياً على الأقلّ.

إنّ القوى الوطنية الديمقراطية في الوقت الذي تذكّر بأنّ الطائفة ليست بالأساس الصالح لإقامة دولة أو وطن “طبيعي” غير عنصري وقابل للحياة، وليست تلك الوحدة أو الجماعة التي لا تقبل مزيداً من الانقسام الشرس هي ذاتها، تذكّر أيضاً أنّ دعوات الانفصال والكونفدرالية والفدرالية في السياق الراهن لا تعدو كونها أوهاماً مجرد أوهام، عاجزة تماماً سوى عن مزيد من الخراب على كلّ صعيد، في فوضى دموية شاملة واستتباع عبودي لهذا السيد الإقليمي والدولي أو ذاك.

كما أنّنا ننبّه، لا سيما في الساحل، إلى كثير من فلول النظام الذين يطلّون برؤوسهم بعد كلّ حادث فادح، في هذا الجسم التنظيمي أو ذاك، مدّعين الاندفاع لإنقاذ أبناء جلدتهم، وهم الذين لم يبالوا على مدى عقود وطوال 14 عاماً من الدم والقتل، ولا يبالون اليوم، بأكثر من استعادة السلطة وموارد الفساد والنهب. وذلك في الوقت الذي نميّز بين هؤلاء وبين كثير من العناصر المنضوية في مثل هذه الأجسام أو المحبّذة لها ممن نفترض أنّهم يجب أن يكونوا جزءاً من المشروع الوطني الديمقراطي الجامع البعيد عن الطائفية.

ما هو بالغ الغرابة وفادح الخطأ أن يضع بعضهم هذه التجمعات الطائفية إزاء الحركة الوطنية الديمقراطية وكبديل لها ولخطّها، في إغفال لأهمية هذا الخطّ الوطني الديمقراطي وتاريخه النضالي العريق والمجرّب لحساب طروحات غرّة أو فلولية أو طائفية، في نوع من الانتحار الحضاري يُجهز على آخر رمقتقرير سياسي صادر عن تجمع سوريا الديمقراطية

حول أحداث السويداء والمستجدات الوطنية الأخيرة

ماتزال سوريا تشهد منذ عشرة أيام أحداثاً مؤسفة في السويداء تنذر بأشباح الحرب الأهلية والتقسيم، حيث تتسارع الأحداث وسط مؤشرات عن تصاعد الصراع التركي-الإسرائيلي بأدوات سورية، وتضاؤل أي آمال لمعالجة سورية-سورية لواقع ممتد منذ 14 عام، مع تعنّت سلطة الأمر الواقع واحتكارها للحكم وإقصائها لكل القوى السياسية والاجتماعية السورية، واحتكامها للحلول الأمنية والقمعية، مستخدمة النفير والمجازر والحصار كأدوات للإخضاع، ووسط كل ذلك تستمر حالات القتل خارج القانون والإفلات من العقاب والإذلال والاعتقال التعسفي والخطف والتمييز بين المواطنين على أسس طائفية مقيتة، مع محاولات سلطوية انفرادية لتفصيل المشهد الانتقالي وما بعده على مقاس فئة واحدة، دون أي ملامح أو رغبة عند السلطة لبدء عملية سياسية تشاركية جامعة تنقذ البلاد من احتمالات الدمار والتقسيم واستمرار الاقتتال.

ومن جملة الأحداث والتصريحات المحلية والدولية التي نشهدها، ما يلي:

• تكرس سلطة “ردع العدوان” نفسها عبر عمليات “الغزو” والإخضاع باستخدام الحلول العسكرية والأمنية التي تتبعها، كطرف موغل في الحرب، لا طرف جامع قادر على احتواء نتائج 14 سنة من الحرب، ما قد يؤدي بسوريا إلى سيناريوهات كارثية قد لا تنجينا من محرقة أو تقسيم، وتتحمل هذه السلطة وداعميها الإقليميين والدوليين ذلك.

• تعيد السلطة للأذهان عبر استخدام خطاب “الدولة” و”السيادة” بفرض القوة العارية، خطاب النظام البائد نفسه في تبريره للعمليات العسكرية، وتحاول فرض “شرعيتها” الممنوحة من الخارج على الداخل دون بذل أي جهد لنيل شرعية داخلية قائمة على حوار وطني أو انتخابات أو إشراك للسوريين، مع استخدامها لأدوات التضليل السياسي الإعلامي وتفريق السوريين بالممارسة إلى طوائف وأديان وقوميات وعشائر.

• إن العدوان الإسرائيلي المستمر والمدان على بلادنا يتغذى على الاحتراب والانقسام والاقصاء الذي تتبعه وتغذيه السلطة عبر احتكارها مؤسسات الدولة ودفع أقسام من شعبنا للاحتماء بالخارج في وجه المجازر، بالتالي تتحمل هذه السلطة كما سابقتها مسؤولية جلب الغزاة وأي احتمال سينتج عن ذلك.

• تعاني محافظة السويداء منذ بدء “الغزوة” من انقطاعٍ لأغلب الخدمات الأساسية كالدواء والغذاء والماء والكهرباء والاتصالات والمحروقات، في استخدام ممنهج من قبل السلطة لأساليب الحصار ضد شعبنا المحاصر هناك، مستحضرةً نفس أدوات النظام البائد.

• شهدت المحافظة قبل وقف إطلاق النار عمليات قصف عشوائي، وتهجير للسكان، وعمليات إعدام ميداني ومجازر طائفية، ونهب وسلب وخطف، في تكرار لما شهده الساحل في آذار الماضي وعبر نفس التجييش والعناصر والأدوات.

• بعد إعلان انسحاب القوات الرسمية، عادت القوات في اليوم التالي مع تبديل الزي فقط تحت اسم “غرفة عمليات العشائر”، في محاولة للسلطة لتقديم نفسها للخارج كطرف ثالث يريد فض النزاع، لكنها أفصحت بكل وضوح عبر الخطاب الرئاسي وإعلامها وبيانات مؤسساتها وأتباعها عن رعايتها لأي سلاح “منفلت” يقف معها، وذلك بعد أشهر من إعلانها “دمج الفصائل في وزارة الدفاع”، لتسقط بنفسها مسرحية الدمج في الجيش.

• تستمر السلطة أيضاً في إعادة تعويم شخصيات محسوبة على النظام البائد (ميليشياوية وعشائرية) عبر تبرئتهم وتعيينهم في مواقع قيادية مقابل تنفيذهم لأجندات السلطة أو دعمهم لها بالمال أو بالعلاقات الدبلوماسية (كالمرسومي، وفادي صقر وغيرهم).

• قامت بعض الأطراف المحسوبة على الفصائل في السويداء بعمليات اعتداء وتهجير مدانة طالت “بدو” المحافظة الذين ينخرط أولادهم في الأمن العام وفصائل الجيش، ما يعكس وجود أجندات غير وطنية، ويزيد حالة التفتت الاجتماعي التي كرستها السلطات المتعاقبة على قمع وتفريق السوريين.

• كرست السلطة وبعض الفصائل المحلية في السويداء حالة التهجير عبر تقنين ذلك في اتفاقية لقيت موافقة أطراف النزاع وبمباركة اقليمية، ما يهدد النسيج السوري أكثر وينبئ باستمرار عمليات التغيير الديمغرافي التي لم تتوقف في البلاد.

• شهدت الجامعات والمدن السورية حالة اعتداءات واعتقالات وتهديد جديدة بحق أبنائنا الجامعيين الذين ينحدرون من محافظة السويداء، وسط عمليات التحريض التي يقودها مؤيدو السلطة، في أجواء من تعزيز الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية والتخوين التي تشرف عليه وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية المقربة من السلطة.

• كما شهدت العاصمة دمشق تحت أعين عناصر “الأمن العام” عملية اعتداء وتهديد بحق متظاهرين سلميين أمام البرلمان، رفعوا لافتات تدعو لحرمة الدم السوري وضرورة الحوار الوطني، وذلك من قبل مؤيدين للسلطة الحالية (كانوا مؤيدين سابقين للنظام البائد) رفعوا شعارات انتقامية وطائفية، وسط تقاعس السلطة عن حماية المتظاهرين.

• قدم المبعوث الأممي الخاص لسوريا السيد غير بيدرسون في مقابلة مع “المجلة” 10 نقاط محورية تعيد التأكيد على خريطة الطريق الواردة في قرار مجلس الأمن 2254 (2015).

• أطل المبعوث الأمريكي لسوريا “توم باراك” خلال الفترة الماضية عبر الاعلام عدة مرات مع عدة وكالات دولية وأجرى عدة جولات من المحادثات مع أطراف محلية وإقليمية، حيث اتسمت بعض تصريحاته بالتناقض، كما مارس التضليل السياسي عبر تبرئة قوات السلطة السورية من الممارسات المفتعلة في السويداء، وعبر ممارسته للضغوط السياسية بشكل انتقائي ومنحاز على بعض الأطراف السورية من أجل خضوعها تحت سلطة دمشق دون توافقات وطنية حقيقية.

• أطلت “لجنة التحقيق المعنية بأحداث الساحل” عبر مؤتمر صحفي عرضت فيه ما توصلت إليه من نتائج، بعد تقديمها التقرير إلى موقع الرئاسة متأخرة أسبوعاً عن الموعد المحدد لها دون اعتبار أو تبرير قانوني، وقد احتوت تصريحاتها على الكثير من التبرير للمجازر ومغالطات قانونية عديدة، وعكست حالة الانحياز وقلة الكفاءة وعدم الاستقلالية، كما قدمت معلومات مضللة وغير صحيحة، إضافة للنواقص الكثيرة في التقرير، وتبرئتها للسلطة ومسؤوليها من أي مسؤولية، وخاصة أن الكثير ممن ارتكبوا مجازر الساحل قد رأيناهم ضمن الفصائل المهاجمة للسويداء والتي أعادت ارتكاب الانتهاكات والمجازر، ولا يخفى على أحد أن السلطة القضائية في سوريا شبه غائبة ومسيطر عليها من قبل السلطة التنفيذية.

• وصدر أيضا عن “لجنة الخدمات المالية” في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون ينص على تمديد قانون قيصر لمدة سنتين، ما يسبب في استمرار العقوبات على الشعب السوري، ويشكل تهديداً لأي مسار سياسي مستقبلي.

إن لحظة سقوط رأس النظام البائد كانت مؤشراً على رغبة الدول الفاعلة في تحول القضية السورية من التدويل إلى الأقلمة باتجاه أن تصبح محلية وداخلية، لكن سلوك سلطة الأمر الواقع وممارساتها الأمنية والعسكرية والأيديولوجية، وتوجهها السياسي عكس مسار التشاركية والانتقال الديمقراطي الوارد في القرار 2254، أثار أطماع الإقليم المتنازع، ووضع سوريا أمام مفترق طرق جديد، وهذا ما يتطلب من كل القوى الوطنية الديمقراطية إعلاء الصوت والتكاتف من أجل منع انزلاق البلاد نحو حرب جديدة تفتحها أمام سيناريوهات التقسيم والاستبداد؛ بناء على كل ذلك، نؤكد ما يلي:

1. ندعو كل السوريين والجهات والقوى الاجتماعية والسياسية والمدنية للانخراط في جميع أشكال النشاط المفضية إلى تطبيق القرار الأممي 2254 الذي قُصد منه الشعب السوري لا هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة المهزومة أو المنتصرة، من أجل التوصّل إلى عملية سياسية جامعة بقيادة سورية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري من خلال إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة، تفضي إلى تسوية سياسة للوضع في سوريا على كامل أرضها الواحدة السليمة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

2. العمل على رفض وإيقاف المسارات العسكرية والأمنية وعدم تكرارها في المستقبل، وإطلاق مسيرة تشاركية آمنة وواعدة باتجاه مستقبل زاهر للشعب السوري، عبر حل سياسي جامع و”مؤتمر وطني عام” يكون بمثابة جمعية تأسيسية تعيد النظر في “الإعلان الدستوري” وتؤسس لكتابة دستور دائم يحفظ حقوق جميع السوريين.

3. الإسراع في إعادة هيكلة الجيش السوري على نحو جامع ليصبح جيشًا وطنيًا مفتوحاً لجميع السوريين استناداً إلى معايير وطنية، يحمي الحدود والدستور الديمقراطي ولا يتدخّل في السياسة، يضم، بالإضافة لفصائل السلطة، كل الضباط والجنود المنشقين الذين رفضوا قتل أبناء شعبهم، والقوات العسكرية الموجودة في الجنوب، وفي شمال شرق سوريا، والضباط والجنود الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء من الجيش السوري الذي كان مغتصباً لدى النظام البائد؛ فقد أدى تفكيك الجيش السابق إلى هيمنة الحالة الفصائلية، وظلم طال آلاف الأسر، وتهديد مستمر للسلم الأهلي، و تصفير لمقدرة البلد على الوقوف في وجه أيّ عدوان على سيادته المنتهكة أصلاً.

4. الضرورة الملحة لإدخال المساعدات الإنسانية والغذائية العاجلة، وإيقاف الحصار على محافظة السويداء وإعادة كل الخدمات الرئيسة لها على الفور، ورفض ربط الاحتياجات والحقوق الأساسية للمواطنين بأي شروط أو بازارات سياسية.

5. نطالب بتشكيل لجنة أممية مستقلة للتحقيق بأحداث الساحل والسويداء، وربط نتائجها بعملية العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وكشف الحقائق وجبر الضرر وتعويض الضحايا وذويهم، وذلك بعدما أظهرته اللجنة المعينة في أحداث الساحل من انحياز وقلة كفاءة وتقصير وتمييز.

6. رفض التهجير القسري بحق أي فئة من الشعب السوري وتحت أي حجة كانت، والعمل على عودة النازحين واللاجئين والمهجرين إلى مدنهم وقراهم، وتشكيل هيئة وطنية خاصة بالمهجرين وإعادة الإعمار وربط مساراها بالحل السياسي الجامع.

7. ضرورة تشكيل سلطة قضائية مستقلة ذات صلاحيات قانونية ودستورية تضم خيرة القضاء والحقوقيين المستقلين الشرفاء (وليس عبر التعيين من السلطة التنفيذية أو المحاصصة)، فهي صمام أمان دولة القانون التي ينشدها السوريون.

8. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الحرب أو الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق ذات الصلة، بحيث لا تتعارض مواد دستور سوريا الجديد ولا تطبيقاته الفعلية مع هذه الشرعات، وذلك عبر إيقاف أي عمليات عسكرية مستقبلية والإقرار بالحل السياسي التفاوضي كطريق وحيد لإنقاذ البلاد.

9. نناشد شعبنا أن يحضر في المجال العام بوصفه مواطنين ينتمون إلى بلد واحد وطبقاتٍ وفئاتٍ اجتماعيّة عصرية ومهنٍ ومجالات اهتمامٍ لا بوصفه مذاهب وطوائف؛ كما نطالب سلطة الأمر الواقع بالكفّ عن النظر إلى المجتمع على أنّ الهوية الأساس فيه هي هويته كمكوّنات طائفية وإثنية، وبفتح المجال العام ومرافقه الثقافية والإعلامية أمام القوى الوطنيّة والديمقراطيّة والنقابية المستقلة التي لطالما استبعدها النظام الساقط بما تشكّله من صمّام أمانٍ للمجتمع. كما نطالبها، أي سلطة الأمر الواقع، بتحمّل مسؤوليّاتها الكاملة إزاء ما ازداد من المظاهر والأعمال والتجاوزات الفرديّة المهدّدة للسلم الأهلي، والكفّ عن خرق ما ينطوي عليه القرار الأممي 2254 من حدود لسلطتها وصولاً إلى تطبيق مراحله وخطواته كاملةً بإشرافٍ دولي.

10. يظلُّ الحوار الوطني ومؤتمراته، مساراً ضروريّاً لكل السوريين، يساهم في إعادة اللحمة الوطنية بين أبناء البلد الواحد ويهدم الفجوات بينهم، ما يعني أنّه بحاجة إلى توسيعٍ وتفعيلٍ حقيقيّين دائمين على الأرض؛ غير أنّ “مؤتمر الحوار الوطني” ليس بديلاً عن “المؤتمر الوطني العام” الذي يخوّل السوريّين، من خلال ممثّليهم، القرار وليس الحوار فحسب، قرار رسم مصائرهم ومستقبلهم وليس تقديم المشورة وحدها.

11. نحمِّل السلطة مسؤولية ضبط الأمن والسلاح والخروقات في مناطق سيطرتها التي تشهد التوترات، ومسؤولية إنشاء أي ميليشيات رديفة لها خارج إطار الدولة، وندعو لإشراك لجان من المجتمع الأهلي واستدعاء الشرطة المدنية المُسرَّحة لتعمل تحت إشراف وزارة الداخلية في عملية حفظ الأمن والقبض على المجرمين، وتحييد العناصر الأجنبية وغير المنضبطة، ومحاسبة كل المتورطين في أعمال العنف والمجازر بشكل علني.

12. إن وجود مخططات توسعية وتقسيمية من قبل الاحتلال الإسرائيلي يستوجب مواجهتها تحت مبدأ السيادة الوطنية ومسؤولية الدولة في الحفاظ على السيادة، مع اقتران ذلك بإجراءات تشكيل الدولة وبناء عقدها الاجتماعي وإشراك كل السوريين فيها وبناء وتعزيز الهوية الوطنية عبر التشاركية والحوار، لا القسر والقهر.

13. ندعو الجميع للضغط من أجل وضع الأسس القانونية اللازمة لتشكيل الأحزاب والنقابات والتجمعات، بما يكفل حرية التظاهر السلمي وتشكيل الأحزاب والنقابات وفق معايير ديمقراطية واضحة تحترم الدستور والشرعة الدولية، وضمان استقلاليتهم عن أي تدخل غير مبرر، وإلغاء أي قيود تعسفية تحد من نشاطها، مع التأكيد على التزامها بمبادئ الديمقراطية واحترام القانون، وإشراك كافة القوى السياسية والمجتمعية في صياغة هذا القانون لضمان توافقه مع متطلبات المجتمع السوري وتطلعاته نحو مستقبل ديمقراطي.

14. إن استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على الشعب السوري أو إعادتها، واستخدامها كسلاح يسلَّط على رقاب المواطنين هو أمر مرفوض مهما اختلف السلطات الحاكمة، ونرى أن السلطة عبر معاكستها لمسار الانتقال الديمقراطي وتأجيج الأوضاع الداخلية تتحمل المسؤولية عن إضاعة الفرصة التاريخية التي يتيحها مسار رفع العقوبات.

لم يَثُر السوريون في 2011 لإسقاط النظام الأسدي فحسب، بل للوصول في النهاية إلى دولة العدالة والحرية والديموقراطية والمواطنة. ومثل هذا الهدف وحده هو ما يكفل الحيلولة دون عودة نظام الاستبداد؛ وإطلاق مسار الانتقال الديمقراطي الجامع حقّاً – وليس المديح الفارغ والزائف الذي عرفناه طوال عقود- هو السبيل الوحيد لا للوصول إلى دولة وطنية ديمقراطية حديثة فحسب، بل لحقن دماء السوريين جميعاً، بمن فيهم النظام الجديد وقاعدته الاجتماعية، وتشاركهم وتكاتفهم معاً في وجه التحديات والصراعات الداخلية كما في وجه التدخلات والاحتلالات الخارجية؛

لن يعود للفلول ولا لخارجٍ متربص حجّة حين يُخيّم جوّ التأكيد على وحدة سورية أرضًا وشعبًا؛ ويتفعل مسار حقيقي للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية؛ ويُؤكَّد على أنّ نظام الحكم سيكون ديمقراطياً تشاركياً، وليس على أسس طائفية أو إثنية، وعلى أنّ الجيش السوري سيكون جيشًا وطنياً سورياً مفتوحاً لجميع السوريين استناداً إلى معايير وطنية، ويُشدَّد على أنّ السوريين هم من سيكتبون دستورهم المستقبلي من خلال جمعية تأسيسية منتخبة، وليس استناداً إلى “من يحرِّر يقرِّر”.

تجمع سوريا الديمقراطية

23/7/2025 حيّ يمكن أن يُعقَد الأمل عليه في الخروج من الكارثة الوطنية.

إنّ هذا الخطّ وهذه القوى الوطنية الديمقراطية -على الرغم من ضعفها وقلّة حيلتها بسبب القمع الوحشي- تمتلك كلّاً من الخطة الاستراتيجية الأسلم للبلد والخطة الانتقالية الأكثر أمناً والتي تنطوي على حلّ حقيقي انتقالي وتدرّجي، ألا وهو مبادئ القرار الأممي 2254 المستخلص من أفضل الرؤى الانتقالية السورية الوطنية الديمقراطية والذي لا يزال المجتمع الدولي يعيد التوكيد عليه مرّة بعد مرّة حتى بعد سقوط النظام الأسدي. وهو ما ندعو شعبنا السوري برمّته وقواه الحيّة إلى الاحتشاد خلفه والنضال لتنفيذه، بديلاً حقيقياً لا للأنظمة الاستبدادية فحسب، بل للبدائل الطائفية وحلولها الوهمية الزائفة.

إنّ الرهان كلّه هو على شعبنا وقواه الحيّة في بقائنا وطناً سيّداً موحّداً، وفي بقاء قضايانا القومية والإنسانية مطروحة، بالدفع نحو دولة القانون والمواطنة المتساوية والديمقراطية، فهذا الدّفع وحده هو المعوَّل عليه في تجاوز الكارثة الوطنية الرهيبة التي نحن فيها وكبح تناسلها إلى مزيد من الكوارث.

تجمع القوى الوطنية الديمقراطية في اللاذقية

الخميس 4/أيلول/ 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top